
نهاية إسرائيل في القرآن الكريم
...إن الحديث عن الغيبيات يحمل مجازفة بحقيقة إدراكنا للمقدمات التي ننطلق منها في الحديث عن تلك الغيبيات , و بمصداقيتها .. و في الوقت نفسه يحمل – هذا الحديث – إدراكا عميقا لفهم تلك المقدمات إذا ما تم تحقق هذه الغيبيات و فق الصورة التي نتوقعها..
.. و إذا ما كانت بين أيدينا مقدمات ثابتة حول مسألة ما , فيصبح التنبؤ بالغيبيات المتعلقة بتلك المقدمات متعلقا بإدراك هذه المقدمات , و أكبر احتمالا للتحقق , و بالتالي تصبح إمكانية تحقق هذه الغيبيات أبعد ما تكون عن التخمين , و أقرب ما تكون إلى الواقع..
.. و في حديثنا عن نهاية الكيان الإسرائيلي , لا نرى مقدمات أوثق من القرآن الكريم للانطلاق نحو تصور نهاية الصراع مع هذا الكيان..
و تقع على فهمنا و إدراكنا لدلالات النصوص القرآنية مسؤولية المجازفة بإطلاق أي نتيجة غيبية . فما يربط النتيجة التي نصل إليها مع المقدمات المطلقة اليقين ( النصوص القرآنية) , هو إدراكنا لدلالات هذه النصوص , و لمعانيها , و بالتالي فالمجازفة و احتمال الخطأ ينحصران في ساحة إدراكنا لما تحمله هذه النصوص من دلالات ..
في البداية نقول .. إن المرحلة التي تمر بها الأمة و منذ أكثر من نصف قرن هي مرحلة مؤرخة قرآنيا , حيث صورها القرآن الكريم في مكانين من سورة الإسراء..
(فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً)
]الإسراء : 17/7[..
(وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا )
]الإسراء : 17/104[..
.. إن العبارة القرآنية (وَعْدُ الْآَخِرَةِ) في هاتين الصورتين القرآنيتين تتعلق بالحياة الدنيا قبل قيام الساعة , و تتعلق بفترة زمنية واحدة .. فقول الله تعالى: (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا) , وقوله تعالى : (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً) ..
.. و إن قول معظم المفسرين بأن وعد الآخرة بالنسبة لدخول المسجد الأقصى قد تم سابقا ( قبل الإسلام حينما قتل اليهود يحيى عليه السلام ) , و أن وعد الآخرة بالنسبة للمجيء لفيفا هو بعد قيام الساعة هما قولان يتعارضان مع حقيقة الدلالات التي تحملها هاتان الصورتان القرآنيتان , و مع حقيقة ما يحمله القرآن الكريم بشكل عام ..
.. و النص القرآني الذي سننطلق منه في دراستنا للتنبؤ بنهاية هذا الكيان ..
(وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5) ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا )
]الإسراء : 17/4-8[..
.. هذا هو النص الوحيد في القرآن الكريم الذي يصور إفساد بني إسرائيل الذي نعيش أحداثه الآن , بالإضافة للآية (104) من سورة الإسراء كما أسلفنا: (فَإِذَا جَاءَوَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا) , و لذلك ستنحصر مقدمات تنبئنا في هذا النص القرآني بالذات..
.. إن محتويات الأحكام و الأخبار التي يحملها هذا النص , قد أعلمها الله تعالى لبني إسرائيل في كتابهم , كما تؤكد بداية هذا النص : (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِيالْكِتَابِ ) .. و لذلك فالخطاب الذي يصوره الله تعالى في هذا النص , هو خطاب وجهه تعالى إلى بني إسرائيل في كتابهم و أعلمهم حتى بالنتيجة التي سيؤولون إليها نتيجة إفسادهم و تدنيسهم للمقدسات ..
و الصورة القرآنية : (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ ) , تبين لنا أن إفساد بني إسرائيل سينشر في الأرض كافة , و بالتالي لن تكون هناك أمة خارج تبعات هذا الفساد..
.. وإذا ما نظرنا الآن إلى كل ما يجري على الأرض من فساد و من انحطاط بالقيم و من فتن و مآس و حروب و أزمات اقتصادية , فسنرى أن لهذا الكيان يدا في كل ذلك ..
.. و هذا الفساد الذي يلقون بذوره في الأرض و يرعونه , هو وسيلتهم الوحيدة للعلو في هذه الأرض , وهذا ما تحمله الصورة القرآنية : (لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِوَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا), فهؤلاء لا يعلون إلا على أرض الفساد , و في مناخ الفتن و المآسي و انحطاط القيم و الأخلاق
.. و قد بين القرآن الكريم صفتهم هذه في أكثر من موقع , عبر تصوير سيرتهم مع الأنبياء و المرسلين عليهم السلام , وعبر وصفهم المجرد عن هذه السيرة..
.. ويتابع النص القرآني الحديث عن إفسادهم الأول الذي قاموا به قبل نزول النص القرآني , و كيف أن الله تعالى بعث عليهم عبادا أولي بأس شديد .. ومن المعلوم و الثابت تاريخيا أن هؤلاء العباد الذين وضعوا حدا لإفساد بني إسرائيل في المرة الأولى هم بقيادة نبوخذ نصر سنة (586) قبل الميلاد..
(فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا)..
.. إننا نرى في هذه الصورة القرآنية المصورة للإفساد الأول , أن الفعل : ( بعثنا) و الفعل : ( فجاسوا ) يردان بصيغة الماضي , وأن نهاية هذه الآية الكريمة هي العبارة القرآنية : (وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا).. ونرى في الصورة القرآنية المصورة للإفساد الثاني : (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا) .. أن الأفعال (لِيَسُوءُوا ) , (وليدخلوا), (وَلِيُتَبِّرُوا ) , ترد بصيغة المضارع .. و في هذا إشارة إلى أن أحداث الإفساد الأول لبني إسرائيل قد وقعت قبل نزول القرآن الكريم..
.. وكعادة اليهود في تزييف الحقائق , فقد استطاعوا أن يقنعوا الكثيرين من أن نبوخذ نصر و جيشه كانوا وثنيين من عبدة الأصنام , مع أن القرآن الكريم يبين لنا أن الذين بعثهم الله تعالى لوضع حد لإفساد بني إسرائيل في المرة ا لأولى هم عباد لله تعالى : (بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا ) فهل يعقل أن الله تعالى يصف الوثنيين و عبدة الأصنام بأنهم عباد له سبحانه و تعالى ؟!! ..
.. لماذا لا يكون نبوخذ نصر و جيشه من اتباع رسالة يونس عليه السلام , وخصوصا أن يونس عليه السلام أرسل إلى المنطقة التي خرج منها نبوخذ نصر بجيشه , بفترة ليست كبيرة نسبيا؟ .. وخصوصا أن القرآن الكريم يبين لنا أن قوم يونس قد آمنوا , وأنهم القرية الوحيدة التي نفعها إيمانها في كشف العذاب :
(فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آَمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ) ]يونس : 10/98[..
.. إن ا لأولى بنا أن نصدق الله تعالى و نكذب التاريخ الذي أرخه اليهود ليخدم إفسادهم ..
.. ويتابع القرآن الكريم تصوير ما قضاه الله تعالى لبني إسرائيل في كتابهم : ( ثُمَّ رَدَدْنَالَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا ).. إننا نرى أن هذهالصورة القرآنية تبدأ بالعبارة ( ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ ), و لم يقل الله تعالى ( فرددنا لكم الكرة عليهم ) .. فكلمة (ثم) – كما نعلم – تفيد التراخي في الزمن إذا ما قورنت مع حرف الفاء الذي يفيد التعقيب ..
.. وهكذا بعد تدميرهم نتيجة إفسادهم الأول , و بعد زمن طويل أصبحوا من أصحاب الأموال و البنين , لامتحانهم عبر إفسادهم الثاني الذي نعيش أحداثه منذ أكثر من نصف قرن .. ( إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَاعَلَوْا تَتْبِيرًا ).. ولابد هنا من الإشارة إلى أن الكثير من التفاسير ذهبت إلى أن الإفساد الثاني حصل قبل الآن , بل قبل نزول القرآن الكريم , حينما قتل يحيى عليه السلام على يد اليهود .. وهذا المذهب من التفسير يتعارض تماما مع حيثيات دلائل هذه الصورة القرآنية بشكل خاص , ومع حيثيات دلائل القرآن الكريم بشكل عام ..
.. إن ما يميز الإفساد الثاني , هو أنه مرتبط بوعد الآخرة , كما يبين القرآن الكريم : (َإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ ), وفي هذا الوعد – كما رأينا – سيجيئون لفيفا : (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا) , هذا لم يحدث إلا في إفسادهم الحالي كما نرى بأم أعيننا ..
.. وكلمة الآخرة في هذه الصورة القرآنية لا يمكن الجزم بأنها لا تعني إلا إفسادهم الثاني , فلو كانت كذلك لأتت على الشكل : ( فإذا جاء وعد ثانيهما ) , مقارنة مع الصياغة القرآنية التي تصور إفسادهم الأول : (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا ) .. هي تعني الإفساد الثاني , ولكن تعني أيضا اقتراب الساعة , و دليلنا في ذلك – كما رأينا في النظرية الأولى ( المعجزة) – أن كلمة الآخرة ترد في كتاب الله تعالى (115) مرة , بورود مناظر تماما لكلمة الدنيا المناظرة تماما لكلمة الآخرة .. فكلمة الدنيا ترد أيضا (115) مرة .. وهكذا فالعبارة القرآنية (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ ) تعني – من جملة ما تعنيه – فإذا اقترب قيام الساعة ..
.. ودليل آخر على أن إفسادهم الثاني هو الذي يشهده هذا الجيل , هو أنه في إفسادهم الثاني سيتم دخول المسجد الأقصى , دخولا مماثلا تماما لدخول المرة الأولى : (وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا ) , وقد رأينا في النظري الأولى ( المعجزة ) أن هناك تناظرا تاما بين ركني هذه المسألة .. ( وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ) = (14) حرفا مرسوما
( كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) = (14) حرفا مرسوما
.. وفي هذا التناظر التام – كما نرى – دليلنا على أن ما حدث في إفسادهم الأول من تدمير لبني إسرائيل سنة (586) قبل الميلاد على يد جيش نبوخذ نصر , ومن تدمير لهيكلهم المزعوم , سيحدث تماما و بشكل مناظر له تماما في إفسادهم الثاني ( الحالي) .. فسيتم – إن شاء الله تعالى – تدمير هيكلهم المزعوم الذي يحاولون الآن بناءه مكان المسجد الأقصى تماما .. وهذا التدمير للهيكل بهذه الحيثية لم يحدث لا زمن قتل يحيى عليه السلام على يد اليهود , كما تذهب معظم التفاسير , و لا زمن طردهم من المدينة المنورة زمن الرسول صلى الله عليه وسلم ..
.. و السبي الروماني لبني إسرائيل , لا يمكن اعتباره الحدث المتزامن مع إفسادهم الثاني المعني في القرآن الكريم .. ففي إفسادهم الأول تم تدميرهم على يد جيش نبوخذ نصر , وفي إفسادهم الثاني ( الحالي) يقول الله تعالى : (وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) ,
فالفاعل في كلمة ( و ليدخلوا ) يعني القوم ذاتهم الذي يشير إليهم الفاعل في كلمة ( دخلوه) , فالقوم الذين دخلوا أول مرة , هم ذاتهم ( كقوم) الذين سيدخلون في المرة الثانية .. و الذين دخلوا في المرة الأولى – من الشرق كما نعلم- ليسوا رومانا.
.. و لا يمكن اعتبار طرد رسول الله صلى الله عليه وسلم لليهود , الحدث المتزامن مع إفسادهم الثاني فإفسادهم الثاني ساحته ( الجغرافية ) هي ذاتها ساحة إفسادهم الأول , وهي بيت المقدس , و في إفسادهم الثاني سيتم تدمير ما بنوه مكان المسجد الأقصى , تدميرا مماثلا للحيثية التي تمت في إفسادهم الأول : (وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) , و كل ذلك لم يحدث زمن طرد رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ..
.. و في إفسادهم الثاني المرتبط بوعد الآخرة : (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُواوُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا) سيجيئون لفيفا من كل الأرض : (وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا ), فالعبارة القرآنية (ى وعد الآخرة ) لم ترد في كتاب الله تعالى إلا في هاتين الصورتين القرآنيتين ..
.. و إذا كان إفسادهم الثاني المعني في قوله تعالى : (فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُواوُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا)
قد حدث سابقا كما تذهب معظم التفاسير , فماذا نسمي إفساد بني إسرائيل الذي نراه بأم أعيننا ., في فلسطين المحتلة بشكل خاص , وفي الأرض بشكل عام؟ !!!..
.. و لقائل أن يقول : كيف نسمي هيكلهم المزعوم الذي سيبنونه مكان المسجد الأقصى , والذي سيدمر كما دمر أول مرة , كيف نسميه مسجدا : (ْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَكَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ)في الوقت الذي يبنون فيه هيكلهم مكان المسجد الأقصى , و بالتالي إزالة بناء المسجد الأقصى ؟!!! .. أي كيف يكون المسجد مسجدا بعد إزالته و بناء هيكلهم المزعوم مكانه؟!..
.. نقول : إن كلمة المسجد لا تعني البناء ,ولكن تعني الأرض المقدسة التي يتم عليها إنشاء هذا البناء , فمهما كان فوق هذه الأرض المقدسة التي بارك الله تعالى حولها , لا بغير ذلك من تسمية هذه البقعة المقدسة بالمسجد الأقصى. . و دليلنا على ذلك أن الله تعالى سمى هذه البقعة المباركة بالمسجد الأقصى حينما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هذه البقعة , قبل فتح القدس بفترة ليست قليلة نسبيا: (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّه هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) ]الإسراء : 17/1 [..
و دليل آخر ...... أنت البيت الحرام رفع قواعده إبراهيم و إسماعيل عليهما السلام.. (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ).. ]البقرة : 2/127 [..
فإسماعيل عليه السلام الذي شارك أباه في رفع القواعد من البيت كان رجلا يحمل الحجارة .. و في الوقت ذاته نرى أن إبراهيم عليه السلام سمى هذا المكان بالبيت الحرام حين وضع ابنه إسماعيل عليه السلام و هو طفل عنده .. أي أنه سماه بالبيت الحرام قبل رفع قواعد بنائه..
(رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) ]إبراهيم : 14/37 [..
.. و القرآن الكريم يؤكد هذه المسألة في مكان آخر..
(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ) ]آل عمران : 3/96 [..
.. فمكان البيت الحرام اسمه البيت الحرام ليس قبل رفع بنائه من قبل إبراهيم و إسماعيل عليهما السلام فحسب , و إنما منذ آدم عليه السلام..
.. إذا سيقوم الفاتحون – إن شاء الله تعالى – بدخول المسجد الأقصى فاتحين مدمرين ما يدنسه اليهود في هذا المسجد , دخولا مناظرا للدخول الأول , ودليلنا كما قلنا هو التناظر التام بين ركني الصورة القرآنية المصورة لهذا الدخول
.. ( وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ) = (14) حرفا مرسوما
( كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ ) = (14) حرفا مرسوما
.. و الآية الأخيرة من النص الذي ننطلق منه في التنبؤ بنهاية هذا الكيان , تؤكد هذا التدمير , و أنهم سيدمرون من جديد فيما لو عادوا لإفسادهم في هذه الأرض المقدسة بشكل خاص , و في الأرض بشكل عام ..
(عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا ) ]الإسراء : 17/8[..
.. ولو عدنا إلى النص القرآني الذي يصور إفسادهم و نهايتهم ) ]من الآية (4) إلى الآية ( 8) في سورة الإسراء [.. , فسنرى أنه مكون من (75) كلمة .. و قد بينا في النظرية الأولى ( المعجزة) أن مجموع كلمات النص القرآني الذي يصف مسألة ما .. يرتبط ارتباطا تاما بجوهر المسألة التي يصفها هذا النص .. فهل يشير مجموع كلمات النص ( العدد 75 ) إلى مجموع سني لبث هؤلاء المفسدين في الأرض المقدسة؟؟..
.. و داخل هذا النص نرى صورتين قرآنيتين تلقي كل منهما الضوء على إفساد من إفسادي بني إسرائيل في الأرض و نرى أنهما متناظرتان تماما , فكل منهما مكونة من (75) حرفا مرسوما , وقد رأينا كيف أن العدد (75) هو ذاته العدد الذي يشير إلى مجموع كلمات النص الذي انطلقنا منه في تنبئنا..
(فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا )= 75 حرفا مرسوما
(فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا )= 75 حرفا مرسوما..
إذا الصورة القرآنية المصورة لإفسادهم الأول تتكون من (75)حرفا مرسوما و إذا الصورة القرآنية المصورة لإفسادهم الثاني و الأخير من حيث امتداده على كامل الأرض , و المشير إلى اقتراب الساعة , تتكون من (75)حرفا مرسوما , و النص القرآني الذي يصف هذه المسألة بآياته الخمس يتكون أيضا من (75) كلمة..
.. لقد بينا في النظرية الأولى ( المعجزة) عبر الكثير من الأمثلة , أن مجموع حروف النص القرآني في الكثير من النصوص القرآنية يشير إلى مجموع سنين , و أكبر دليل على ذلك أن سورة نوع عليه السلام تتكون من (950) حرفا مرسوما , وهذا ما يوافق تماما المدة الزمنية التي لبثها نوح عليه السلام في قومه , كما يؤكد القرآن الكريم .. و بينا أيضا أن مجموع كلمات النص يشير أحيانا إلى وحدات زمنية ..
, إذا اعتبرنا أن العدد (75) يشير إلى وحدات زمنية , و إذا اعتبرنا بداية إفسادهم الثاني سنة (1948) ميلادية , فهل سيتم الفتح عام (2023) ميلادي : ]1948+75=2023[ ؟
إننا نرى أن هذه النبوءة أقرب إلى اليقين و لا تحمل من المجازفة إلا احتمالين :
1. أن يكون العدد (75) مشيرا إلى مسألة أخرى غير المسألة الزمنية..
2. أن تكون بداية إفسادهم الثاني ليست سنة (1948) ميلادية..
.. ولكن بدراسة التاريخ و بالإطلاع على ما يقوله قادة هذا الكيان ذاته , نرى أن احتمال ارتباط العدد (75) بالجانب الزمني هو الأرجح , إن لم يكن هو الاحتمال الوحيد ..
.. لقد ورد في مقالة للأستاذ بسام جرار , في مجلة إلى الأمام العدد (2187) تاريخ 27/5/1993 ميلادي , النص التالي : ] جاء في كتاب الأصولية اليهودية في إسرائيل تأليف ايان لوستك ترجمة حسني زينة , إصدار مؤسسة الدراسات الفلسطينية , ط1 , 1991م , بيروت ص95 : و هذا بالضبط هو نوع السلام الذي تنبأ مناحيم بيغن به عندما أعلن في ذروة النجاح الإسرائيلي الظاهري في الحرب على لبنان , أن إسرائيل ستنعم بما نصت التوراة عليه من سنوات السلام الأربعين[
و لو أضفنا أربعين سنة إلى عام (1982) الذي تم فيه اجتياح لبنان اعتداء عليه , لوصلنا إلى عام (2022) ميلادي , وهذا يسبق عام (2023) بعام واحد , فهل ما أراد بيغن قوله أنه بعد هذا العام سيتم وضع حد لإفساد بني إسرائيل, بالتالي سيستمر وجودهم و إفسادهم في الأرض المقدسة (75) سنة كما بينا؟؟؟ ..
.. إن الشيء الوحيد الذي نستطيع أن نجزم به هو قولنا , الله أعلم , و أن نهاية هذا الكيان لن تكون إلا بالقوة و النهوض الحضاري , و بدفع مستحقات النصر من الدماء , و هذه النبوءة – إن كان العدد (75) يشير إلى وحدات زمنية , و إن كانت بداية الإفساد سنة 1948م – يجب أن تكون دافعا لنيل شرف الشهادة في سبيل تحرير المقدسات , أن تكون باعثا للأمل في حتمية نهاية قوى الشر و الفساد , و أن تكون نورا يضيء أمامنا حقيقة هذا العدو الذي لا ينصاع لأي عهد أو ميثاق , ولا يلتزم حتى بما عاهد هو عليه..
(أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ ) ]البقرة : 2/100[..
.. وهذه النبوءة لا يمكن أن تكون عامل اتكال و تقاعس عن الجهاد ( كما يتوهم بعضهم ) , بمقدار ما تكون حافزا للشهادة و باعثا للأمل .. فمن يؤمن بالقرآن الكريم و بأسراره الإعجازية , يعشق الشهادة في سبيل تحرير المقدسات التي اختارها الله تعالى معيارا لإسلام أفراد هذه الأمة..
(وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ ) ]البقرة : 2/143[..
.. فبالنظر إلى هذا النص من المنظار المجرد عن التاريخ و الزمان و المكان ,وعلى أنه – كأي نص قرآني – صالح لكل زمان و مكان , وله حيثيات إتباع و تدبر في كل زمان و مكان , يتبين لنا أن القبلة الأولى ( المسجد الأقصى ) هي امتحان للمسلمين , ليشهد الله تعالى من يتبع الرسول و ذلك بالدفاع عنه , ممن ينقلب على عقبيه و ذلك بالتقاعس عن الجهاد في سبيل تحريره..
.. فالمسجد الأقصى كان معيارا لإسلام أفراد الجيل الأول حينما حولت القبلة منه إلى المسجد الحرام , وهو الآن معيار لإسلام أفراد هذا الجيل , و ذلك بالجهاد لتحريره و تطهيره و كامل الأرض المقدسة من دنس اليهود ..
منقول عن الكاتب والمفكر الاسلامي
المهندس عدنان الرفاعي








